الشنقيطي
410
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وإذا عرفت ذلك فاعلم : أن من الحقوق الخاصة باللّه التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا اللّه . فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا للّه وحده ، لأنه من خصائص الربوبية فصرف ذلك الحق للّه وإخلاصه له هو عين طاعة اللّه ومرضاته وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ومرضاته وهو عين التوقير والتعظيم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا . وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه ، أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده ، في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى . من أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى إلى قوله : قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) [ النمل : 59 - 64 ] . فإنه جل وعلا قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات : قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) [ النحل : 59 ] . ثم بين خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) [ النمل : 60 ] . فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض ، وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق ذات البهجة ، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا اللّه ، من خصائص ربوبية اللّه ، ولذا قال تعالى بعدها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ يقدر على خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به ، والجواب لا . لأنه لا إله إلا اللّه وحده . ثم قال تعالى : أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) [ النمل : 61 ] . فهذه المذكورات أيضا ، التي هي جعل الأرض قرارا ، وجعل الأنهار خلالها ، وجعل الجبال الرواسي فيها ، وجعل الحاجز بين البحرين من خصائص ربوبيته جل وعلا ، ولذا قال بعد ذكرها أإله مع اللّه ؟ والجواب لا . فالاعتراف للّه جل وعلا بأن خلق السماوات والأرض وإنزال الماء وإنبات النبات ونحو ذلك مما ذكر في الآيات من خصائص ربوبيته جل وعلا هو الحق ، وهو من طاعة اللّه ورسوله ، ومن تعظيم اللّه وتعظيم رسوله بالاقتداء به صلّى اللّه عليه وسلّم في تعظيم اللّه .